
أفتش عن صفات "إنســـان " سكنت هيكلاً اسمه " إنســــــان " !!
مشيت لأبحث عن هذا " الإنســـــان " فدخلت أرقى البيوت ..
بحثت تحت الأسقف العالية والقبب المزخرفة.. وتحت الثريات البلورية المتلألئة.. وبين ملاعق الذهب والفضة ..
بحثت عنه بين ضجيج الشهوات وفوق الحرير والديباج وبين رنين النقود.
بحثت عنه بين أبناء الغفلات وفي الكؤوس المترعات والليالي الحمراء.
فلم أجـــــــــد " الإنســـــان "..
بحثت عنه خلف المكاتب الفخمة وفوق الكراسي والمناصب..
وبحثت في الجيوب الممتلئة والصناديق المتربسة.
فلم أجــــــــــد " الإنســــــان " ..
قصدت أرقى الأسواق، علّني أراه بين أحدث الصرعات وأفخر الثياب ..
ولكن….. وحتى في أيام التخفيضات غاب " الانســـــان " !!
بحثت عن "الإنســـــان " بين أكوام من الخَلقِ، فرأيت كائنات مشوّه .. أعدادها كثيرة.. روائحها عَــفِـنة مُـنـتِـنة.. هياكلها متقشرة متلونة متبدلــــــة..
ذوات رقاب ذليلة حملت رأسين ووجهين ولسانيـــــن!!!
قد لَوّوا هاماتاهم، وصـعَّـروا خُدودهـــم، وحنَـــوا رقابهـــم..
حتى جثوا أمام أصنام وضيعــــة..
وقبِّــــلوا أكـُــفَّا قذرة ملوثة، غمست بدماء المساكين والمقهورين.
بحثت بينهم فلم أجـــــــــــــد "الإنســـــان " ..
وبحثت عن " الإنسان " بين القرارات الدوليـــــــة .. وضمن الخطط الحاقــــدة.. وبين دوي أرطال القنابــــل.. و في حكايا إبادة الشــــعوب.. وبين قاتلوا النفـــوس وحارقوا الـــــدور.. وبين مؤلفوا أساطيـــــر حقـــــوق " الانســـــان ".
فلم اجـــــــــــده..
فأين هو " الإنســـــان " ؟ وكم الأعداد التي بقيت منه على كوكبنــــا ؟
أخشى أن أقرأ أنه صنف مع المنقرضـــــات أو المتحجــــرات ..
ترى أين هــــــــو ؟
كم طال بحثي!! وكم مشيت ومشيت في أزقة الحياة .. دامعة الطرف متصدعة الفؤاد.. منهزمة الانتصارات .
مشيت حتى ملتني الطرقــــات، وضاق صــــدري، وخارت قــــواي، فاتكأت تحت ظلال الحزن الوارفـــة، وأغمضت العــين، وكدت أن أستسلم لحلم لا نور فيــــه، لولا أن شعرت بدفء يد تربت على كتفــــــي !!
كان رجلا هادئ القسمــــات، مبتســــماً، نظيف النظــــرات ، بسيط الهندام، كسته سَكيـــنةٌ وكأنها ولِدَتْ من أعماقـــــة، فعمّت مسالكـــه، حتى طفت على سطحــه، فأكسبته بهاءً ووقـــــــارا.
- نظرت إليه وقلت : مـــــــن أنت ؟
- أجاب بهدوء واتزان: أنا ……. " إنســـــــــــــــــــان " !
- من أيــــــــــــن أتيت؟
- من رحم العطــــاء أتيتُ .. فالحياةُ سكبتني جداولاً من أعماقهــــــا، فمضيت عذباً فراتـــاً، يرتاده المتعبــــون وينهل من خيره الــــــواردون.
المزيد